أبو نصر الفارابي

16

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

والنوع الثالث من المدن المضادة هو المدينة المبدلة ، وقد دعيت بهذا الاسم لأن آراء أهلها وأفعالهم كانت في الماضي آراء وأفعال أهل المدينة الفاضلة ، ولكنها الآن تبدلت وحلت مكانها آراء وأفعال مغايرة . وأخيرا نصل إلى النوع الرابع من المدن المضادة ، أي المدينة الضالة . وهي التي تعتقد في الله والثواني والسعادة . . . الخ اعتقادات فاسدة ويتوهم رئيسها أنه أوحي اليه ويلجأ إلى التمويه والخداع . ومصير أهل المدن المضادة بائس يتراوح بين الهلاك والشقاء . فأهل المدن الجاهلة تنحل نفوسهم إلى صور الاسطقسات الأربع ، ويصيرون إلى العدم كالبهائم والأفاعي ويهلكون . ونفوس أهل المدن الفاسقة لا تغنى بفضل الآراء الفاضلة التي اكتسبتها وإنما تشقى بالآلام بسبب أفعالها الرديئة . ومصير أهل المدن الضالة الهلاك والاضمحلال مثل أهل المدينة الجاهلة ، أما رئيسهم فمصيره إلى الشقاء كأهل المدن الفاسقة . ومصير أهل المدينة المبدلة الهلاك ، ومصير رئيسهم الشقاء . ويعرض الفارابي آراء ومعتقدات أهل المدن المضادة وأهمها ظنهم أن الموجودات متضادة تتغالب على الوجود وينتصر الأتم وجودا والأقوى ، ويهلك الأضعف أو يخضع للأقوى . وقانون الصراع هذا مطبق على البشر أفرادا ومجتمعات . فإنه لا تحاب ولا ارتباط بينهم لا بالطبع ولا بالإرادة ، وشريعة الغاب هي السائدة : القوي يقهر الضعيف فيقتله أو يسخره لخدمته ، إنه الداء السبعي . وإذا قام مجتمع فإنما يقوم إمّا على القهر أو على القرابة ، أو على التعاهد ، أو على تشابه الخلق والشيم واللغة ، أو على الاشتراك في الموطن الواحد .